Search

قليل من الأفلام تلتقط نبض القاهرة السريع و المَلِيء بالحياة مثل فيلم الهوى سلطان. في هذه التجربة السينمائية، لا تقدم لنا الكاتبة والمخرجة هبة يسري مجرد قصة، بل تقدم تحية إلى الفوضى الرومانسية لهذه المدينة الخالدة وإلى إحساسها الدائم بالتغير. وبينما أظهر لنا فيلم البحث عن منفذ لخروج السيد رامبو جانبًا من القاهرة لم نشهده من قبل—ذلك الجانب القاسي والبارد الذي لا يرحم—يستكشف الهوى سلطان جانبًا مختلفًا تمامًا من المدينة. تلك القاهرة التي تعج بالحركة، والزحام، والحياة. ليست الأحياء الراقية ولا المناطق الشعبية المتدهورة التي اعتدنا رؤيتها في السينما، بل ينقلنا الفيلم إلى القاهرة اليومية العادية، تلك التي يعرفها معظمنا ويتصل بها بعمق، لكنها نادرًا ما تظهر في الأفلام الحديثة. هذا الفيلم ينغمس في تفاصيل الحياة اليومية البسيطة بطريقة تبدو طبيعية وسلسة، لكن الواضح أن هناك الكثير من العمل والتفاني خلف الكواليس لتحقيق هذه البساطة..

في جوهره، يحكي الفيلم قصة صديقين منذ الطفولة، يؤدي دوريهما منة شلبي وأحمد داود، ويواجهان اختبارات الحياة غير المتوقعة لعلاقتهما. لكن ما هو أعمق من القصة السطحية هو استكشاف سينمائي للحب، والولاء، وتعقيدات العلاقات الإنسانية في ظل خلفية مدينة حية بقدر ما هي الشخصيات. التناغم بين منى شلبي واحمد داوود ملموس بصدق و عفوية؛ إنها ليست قصة حب بالمعنى التقليدي، بل هي علاقة معقدة تتأرجح بين المودة والصداقة. تتحدى هبة يسري هذه الحدود ببراعة، وتجعل المشاهد يعيد التفكير في مفهومه الخاص عن العلاقات.

يُظهرالهوى سلطان مهارة كبيرة في بناء علاقة حميمية بين الجمهور والفيلم من خلال عناصره كافة—بصريًا، سمعيًا، وسردًا. وبفضل تصميم العالم الذي تقع فيه الاحداث، نجح الفيلم في نقل شعور بالدفء والارتباط منذ اللحظة الأولى. الأزياء، والديكور، والتفاصيل الصغيرة مثل اختيار السيارات والهواتف المحمولة وحتى شاليه أبو ثلاث، ليست مجرد خلفيات بل أدوات سردية تكشف الكثير عن سمات الشخصيات، طبقاتها الاجتماعية، وطريقة حياتها. هذه التفاصيل الصغيرة، لكنها المتقنة، تجعل عالم الفيلم حقيقيًا ومألوفًا

منة شلبي تقدم أداءً رائعًا كعادتها. في النصف الأول من الفيلم، يكون أداؤها هادئًا إلى حد ما، وهو قرار يبدو مقصودًا لتركز الأحداث أكثر على شخصية أحمد داوود (علي)، الذي يصارع أفكاره وأزماته الداخلية، بينما تبدو شخصية (سارة )، وكأنها تمضي قدمًا في حياتها بلا مبالاة. لكن في النصف الثاني من الفيلم، تتألق منة شلبي حين تواجه حقيقتها التي كانت تهرب من مواجهتها من قبل أن تواجه أي شيء آخر في الحياة. التحول في أدائها مؤثر للغاية، وتنقل مشاعرها بهدوء وعمق في كل مشهد.

أما أحمد داوود، فيحمل الكثير من الوزن العاطفي للفيلم. قدرته على التعبير عن مشاعره من خلال عينيه فقط مذهلة. تجعلك تشعر باضطرابه وارتباكه، بل وحتى بالرحلة العاطفية المتقلبة التي تمر بها شخصيته طوال الفيلم.

وعلى الرغم من قلة مساحة دورها، فإن سوسن بدر تترك بصمة لا تُنسى. مشهدان لها فقط كانا كافيين لخلق لحظات من الدفء العائلي والطرافة

أما فريق الممثلين الداعمين. أحمد خالد صالح وجيهان الشماشيرجي قدما بآداء احترافي شخصيات داعمة أضافت بُعدًا إلى الخلفيات الدرامية للأبطال الرئيسيين عن طريق الاختلاف، ونجحا في تقديم لمحات من واقع المدينة وثرائها الاجتماعي.

السينماتوغرافيا تستحق الإشادة الخاصة. القاهرة ليست مجرد مكان للأحداث؛ إنها شخصية حية تنبض بالحياة. من فوضى وسط البلد إلى هدوء الزمالك، تلتقط الكاميرا تفاصيل الحياة اليومية في كل زاوية. تستخدم هبة يسري الضوء والظل ليس فقط لخلق أجواء درامية، بل لعكس الصراعات الداخلية للشخصيات.

لا اتفق مع الانتقادات التي تهاجم الفيلم بانه يعاني من ازمة هوية بالتشبه بالحياة الغربية او الترويج لها و ذلك لاني ارى هذه الانتقادات كنوع من التنصل من الواقع او التشبث بمثاليه غير واقعية فاذا كانت حقيقية فمن الممكن ان تطبق على افلام الجريمة او بعض الافلام الشعبية التي تحاكي العديد من الاوساط الغربيه في نفس العناصر المنتقدة و ربما اكثر، و لو هذا تشبه بالحياة الغربية فالعديد من كلاسيكيات السينما المصرية التي يحتفي بها الكثير تتجاوز هذه النقاط بكثير.  

لكن لو كان هناك عيب واحد، فهو إيقاع الفيلم في بعض الأجزاء. في نهاية الفصل الثاني وبداية الفصل الثالث، تصبح الأحداث بطيئة بعض الشيء، وتمتد بعض المشاهد لفترة أطول من اللازم بدون داعي، لتعيد تأكيد أفكار تم توضيحها بالفعل. 

أما النهاية، فقد كان من الممكن أن تكون أكثر تأثيرًا لو توقفت عند لحظة معينة دون الكشف الإضافي في المشهد الأخير. ذلك قلل قليلًا من الأثر العاطفي الذي بناه الفيلم طوال مدته.

رغم ذلك، الهوى سلطان يظل فيلمًا يحقق انتصارًا في المصداقية. لا يلجأ إلى الكليشيهات ولا يضخم الصراعات بشكل مبالغ فيه. بل يثق في جمهوره ليجد المعاني في النظرات الصامتة، واللحظات التي تسبق الكلمات، والصمت المليء بالمعاني.

أوصي بمشاهدة هذا الفيلم بشدة، حتى إن لم تكن من محبي الأفلام الرومانسية. الهوى سلطان يحتفي بإيقاع حياة القاهرة وروحها، وستجد نفسك، بلا شك، متعلقًا بهذا الإيقاع والشخصيات التي تجسده.

التقييم: ★★★★★★★★☆☆ (8/10)

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *